الغزالي

444

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وقد ذكرنا مثالا للطريق الغامض من طرقه ، وهو الذي يخدع به العلماء والعبّاد المالكين لشهواتهم ، الكافّين عن المعاصي الظاهرة ، فلنذكر مثالا لطريقه الواضح ، الذي لا يخفى ، إلّا أن يضطرّ الآدمي إلى سلوكه ، وذلك كما يروى عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه « كان راهب في بني إسرائيل ، فعمد الشيطان إلى جارية فخنقها وألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب ، فأتوا بها إليه فأبى أن يقبلها ، فلم يزالوا به حتى قبلها ، فلمّا كانت عنده ليعالجها ، أتاه الشيطان فزين له مقاربتها ، ولم يزل به حتى واقعها ، فحملت منه ، فوسوس إليه وقال : الآن تفتضح ، يأتيك أهلها ، فاقتلها ، فإن سألوك فقل : ماتت ، فقتلها ودفنها ، فأتى الشيطان أهلها ، فوسوس إليهم وألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها ودفنها ، فأتاه أهلها ، فسألوه عنها فقال : ماتت ، فأخذوه ليقتلوه بها ، فأتاه الشيطان فقال : أنا الذي خنقتها ، وأنا الذي ألقيت في قلوب أهلها ، فأطعني تنج ، وأخلّصك منهم ، قال : بماذا ؟ قال : اسجد لي سجدتين . فسجد له سجدتين ، فقال له الشيطان : إني بريء منك ، فهو الذي قال اللّه تعالى فيه : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ « 1 » . وروي أن إبليس سأل الإمام الشافعي رضي اللّه عنه : ما قولك فيمن خلقني كما اختار ، واستعملني فيما اختار ، وبعد ذلك إن شاء أدخلني الجنة وإن شاء أدخلني النار ، أعدل في ذلك أم جار ؟ فنظر في كلامه ثم قال : يا هذا إن كان خلقك لما تريد أنت فقد ظلمك ، وإن كان خلقك لما يريد هو فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، فاضمحل إلى أن صار لا شيء ، ثم قال : واللّه يا شافعي لقد أخرجت بمسألتي هذه سبعين ألف عابد من ديوان العبودية ، إلى ديوان الزندقة . وروي أيضا أن إبليس لعنه اللّه تمثّل لعيسى بن مريم عليهما السلام فقال له : قل : لا إله إلا اللّه ، فقال : كلمة حق ، ولا أقولها بقولك ، أي لأن له تلبيسات في الخير ، كما أن له تلبيسات في الشر تتناهى ، وبها يهلك العباد والزهاد والأغنياء وأصناف الخلق ، إلا من حفظه اللّه . اللهم أحفظنا من مكائده حتى نلقاك مهتدين .

--> ( 1 ) سورة الحشر ، الآية : 16 .